الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة مسرحية "موجيرة" لرحيّم بحريني: سفرة دون رجوع الى اقاصي الحب والانتقام والجنون

نشر في  05 فيفري 2021  (11:03)

لم تكد تمر على الذكرى التاسعة لرحيل المسرحي عبد الوهاب الجملي بضعة أشهر حتى أطلّ واحد من أبرز نصوصه المسرحية من جديد على يدي الثنائي رحيّم بحريني وسنية زرق عيونه. "موجيرة" -او "تابوت العروسة" في تسميته الأصلية- نص بصوت واحد وبثلاثة أجساد. صوت "الموجيرة" العميق والدافيء الذي يحمل بين طيّاته ثقل انتظار عودة الحبيب طيلة 9 سنوات، وأجساد ثلاثة هائمة. جسد كل من الشخصية الرئيسية التي تقمصت دورها الممثلة سنية زرق عيونه وجسد حبيبها المكبّل -تقمص الدور الممثل سيف الدين الرقام- والأخير المتمثل في القط لازانيا.

في المأوى المظلم والمعزول للموجيرة تدور أحداث المسرحية. بين جدران الانتظار المميت والانتقام المريع، تستعيد الموجيرة ذكرى عشقها الكبير لذلك الرجل الذي غادر أرض الوطن لمدة 9 سنوات، 9 سنوات من الاحتراق الداخلي، من الانتظار المرير لرجل قال انه سيعود لحبيبته دون أدنى شك. ولما عاد، لم يكن عند كلمته، ولا عند الاحلام التي صوّرتها "الموجيرة"، فكان ان انقلبت موازينها النفسية لتكيل له بعد ان استدرجته في مخبئها أقسى ردود الأفعال وأشنعها.

ولغرض الاقتباس، اعتمد رحيّم البحريني على رؤية اخراجية غلّبت العتمة على النور. فأطلّ الصوت من العتمة كما أطلّ الجسد من الظلمة، من الظلمة الداخلية التي أضحت تعيش فيها موجيرة بعد تهاوي أركان الحلم وفقدان الشمال. وقد اكتست الإنارة أهمية قصوى في هذا العمل الذي اقترب الى حد الانصهار مع ذهن "موجيرة"، وقد يكون اقترب الى حد الانحسار في مربعها الذهني الذي لم يقبل الخديعة.

فتحركت روح العمل في وجع دماغها وحامت في يأس نخاعها وكل حبّة من مرتع فكرها، هذا الذي سخرته نهائيا لانتقامها الأخير، بينما سعت الأضواء لرسم هداوة الانتقام كما عنف الحركات ولانارة جسد الضحية الذي كان بمثابة اللحم المعدوم الذي دفع باهظا ثمن خياراته.

في هذا المربع الحالك اذا دارت مراحل الانتقام، انتقام طُبخ على نار باردة، انتقام بطعم المرارة التي لا شفيع لها سوى اعدام الوجود. تجول موجيرة في مربعها بين مساميرها الصدئة وآلات تعذيبها وكتب ماضيها السعيد لتنكّل بحبيب قلبها فصلا بعد فصل ولتريه كيف تنطفئ نار عذابات 9 سنوات من الانتظار، في أداء مميّز استبطن النص المسرحي ليردّه في شكل عاصفة هادئة تأتي على الأخضر واليابس من غير أي أمل في النجاة.  

وقد لعب مخرج العمل على هذه الثنائية، ثنائية الـ"هي" المتحركة والناقمة والـ"هو" المقيّد، المعذب والفاقد للوعي. فهي مركز القوة وهو نقطة الضعف، فهي كرة النار وهو المسلوب من قواه. هو -سيف الدين الرقام- الذي استدرجته الموجيرة ليكون صلصالها ومصب غضبها وقطعة اللحم التي ستنتزع منها كل روح.

تتفنن سنية زرق عيونه في فصل انتقامها الكبير، تتفنن في حراكها الأخير بالقاتل من الكلمات والمميت من اللكمات. ترفقها في رحلة تعذيبها "اللذيذ" قطتها "لازانيا" تلك التي مازالت تستجيب لنداءاتها وتقاسمها وحدتها ومخمليّة فروها، ترفقها أيضا تلك الانارات الصغيرة التي تكشف ترتيباتها المُسبَقة مع من أرادت له تصفية نهائية للحساب، فقد فات الميعاد وضاعت معه أحلام الصبا وسعادة حب مضى.

وفي مشهد قبل أخير، ترفع موجيرة، في ضرب جديد من الجنون، كأسا على نخب وداع هذا الحبيب "الخوّان" قبل ان تحتفي معه بزيجة دموية. هكذا أرادتها الموجيرة، زيجة على قياس صراعها الوجودي الأول والأخير واحتفالا بطعم وجعها المخبول.  

في هذا النفق المظلم المنفلت من حدود العقل، دارات أطوار هذه القصة المحمولة الى أقاصي الحب والانتقام والجنون. تطويع مسرحي قدّمه رحيّم بحريني برؤية فنية ارتقى فيها وجع امرأة مغدورة "الموجيرة" الى سواد التابوت والى عتمة المربعات الداخلية الذي تنحبس فيها الانفاس الى الأبد.

شيراز بن مراد